الشيخ الطبرسي

377

تفسير مجمع البيان

اليسرى ، وهو دخول الجنة ، واستقبال الملائكة إياه بالتحية والبشرى . وقوله : ( وأما من بخل ) أي ضن بماله الذي لا يبقى له ، وبخل بحق الله فيه . ( واستغنى ) أي التمس الغنى بذلك المنع لنفسه . وقيل : معناه أنه عمل عمل من هو مستغن عن الله ، وعن رحمته ( وكذب بالحسنى ) أي بالجنة والثواب وبالوعد والخلف ( فسنيسره للعسرى ) هو على مزاوجة الكلام ، والمراد به التمكين أي : نخلي بينه وبين الأعمال الموجبة للعذاب والعقوبة . ( وما يغني عنه ماله إذا تردى ) أي سقط في النار ، عن قتادة وأبي صالح . وقيل : إذا مات وهلك ، عن مجاهد . وقيل للحسن : إن فلانا جمع مالا . فقال : هل جمع لذلك عمرا ؟ قالوا : لا . قال : فما تصنع الموتى بالأموال . ( إن علينا للهدى ) معناه : إن علينا لبيان الهدى بالدلالة عليه . فأما الاهتداء فإليكم . أخبر سبحانه أن الهدى واجب عليه ، ولو جاز الإضلال عليه لما وجب الهداية . قال قتادة : معناه إن علينا بيان الطاعة والمعصية . ( وإن لنا للآخرة والأولى ) وإن لنا ملك الآخرة ، وملك الأولى . فلا يزيد في ملكنا اهتداء من اهتدى ، ولا ينقص منه عصيان من عصى ، ولو نشاء لمنعناهم عن ذلك قسرا وجبرا ، ولكن التكليف اقتضى أن نمنعهم بيانا وأمرا وزجرا . ثم خوف سبحانه العادل عن الهدى فقال : ( فأنذرتكم نارا تلظى ) أي خوفتكم نارا تتلهب ، وتتوهج وتتوقد ( لا يصلاها ) أي لا يدخل تلك النار ، ولا يلزمها ( إلا الأشقى ) وهو الكافر بالله ( الذي كذب ) بآيات الله ورسله ( وتولى ) أي : أعرض عن الإيمان ( وسيجنبها ) أي سيجنب النار ، ويجعل منها على جانب ( الأتقى ) المبالغ في التقوى ( الذي يؤتي ماله ) أي ينفقه في سبيل الله ( يتزكى ) يطلب أن يكون عند الله زكيا ، لا يطلب بذلك رياء ، ولا سمعة . قال القاضي : قوله ( لا يصلاها إلا الأشقى . الذي كذب وتولى ) لا يدل على أنه تعالى لا يدخل النار إلا الكافر على ما يقوله الخوارج ، وبعض المرجئة ، وذلك لأنه نكر النار المذكورة ، ولم يعرفها . فالمراد بذلك أن نارا من جملة النيران ، لا يصلاها إلا من هذه حاله . والنيران دركات على ما بينه سبحانه في سورة النساء في شأن المنافقين ، فمن أين عرف أن غير هذه النار لا يصلاها قوم آخرون . وبعد فإن الظاهر من الآية ، يوجب أن لا يدخل النار إلا من كذب وتولى ، وجمع بين الأمرين ، فلا بد للقوم من القول بخلافه ، لأنهم يوجبون النار ، لمن يتولى عن كثير من الواجبات ، وإن لم يكذب . وقيل : إن الأتقى